"حمى الضنك" تستوطن عدن و"الصحة" تتجاهل عامًا بعد عام

2021-07-04

عدن/ نهى فريد
عامًا بعد عام تتزايد في مدينة عدن الجنوبية، انتشار الحميات الفيروسية، وفي المقدمة "حُمَّى الضنك"، دون أي توجهات حكومية للحد منها، ولا حتى إيجاد برتوكول موحد لعلاج مصابيها، على الرغم من مرور ما يزيد عن ربع قرن على ظهور أول إصابة بالضنك في اليمن".
خلال العام الماضي شهدت المدينة الساحلية أكبر موجة انتشار للحميات الفيروسية، إذ سجلت منظمة الصحة العالمية في منتصف نوفمبر 2020م أكثر من 37 ألف حالة يشتبه إصابتها بحمى الضنك، و150 حالة وفاة مرتبطة بالمرض في جميع أنحاء اليمن، أي بزيادة نحو 10 ألف حالة مقارنة بجميع الحالات التي تم تسجيلها في عام 2018، والذي تم خلاله الإبلاغ عن 28 ألف حالة يشتبه بإصابتها، و46 حالة وفاة مرتبطة بالمرض.
*وضع صحي كارثي
الوضع الكارثي الذي وصلت إليه البلاد نتيجة الحرب التي تدخل عامها السابع، كان له تبعات جسيمة على تدهور الوضع الصحي، من تدمير شبه كلي للبنية التحتية، الذي ألحق بالمواطن الضرر، غياب الخدمات الأساسية، كذلك نزوح المواطنين من مناطق الصراع وعيشهم في المخيمات، مع نقص الخدمات الصحية، وطفح المجاري، الأمر الذي أدى إلى انتشار الأمراض والأوبئة، وما رافقه من غياب الرعاية الصحية، وغياب الكادر الطبي المتخصص والقادر على مجابهة هذه الأوبئة ومنها حمى الضنك.
تعتبر منطقة "العريش" التابعة لمديرية خور مكسر وسط العاصمة عدن من أكثر مناطق المدينة الساحلية انتشارًا للحميات والأمراض المعدية والأوبئة وأبرزها "حمى الضنك"، إذ تعاني المنطقة من تجاهل حكومي رسمي وشعبي لانتشار الضنك وغياب الخدمات الصحية، على الرغم من كثافتها السكانية، وكونها منطقة شعبية، تفتقر إلى وجود شبكة صرف صحي، وممرات لتصريف مياه السيول المتكدسة موسميًا، وطفح المجاري ولازالت تعاني حتى اللحظة، وخارج تغطية سلطات الدولة للأسف.
 
يقول المواطن "أزر النهدي" أن منطقة العريش قد لحقها الإهمال الشديد، من قبل المديرية والمحافظة، وذلك يتضح من خلال غياب عمال النظافة، وانتشار النفايات، بسبب عدم وجود صناديق القمامة، مع انعدام مياه الشرب، وتزايد فترة الانقطاعات في المياه، مما أدى بالسكان لشراء المياه عبر صهاريج "بوزات" من دون معرفة مصادر تلك المياه، ومع زيادة البناء العشوائي، والكثافة السكانية، وغياب البنية التحتية، ضاعف كل ذلك من المعاناة للمواطنين، مع غياب الخدمات الصحية، وضعف الوعي المجتمعي، مما زاد من انتشار البعوض الذي يؤدي إلى انتشار الأمراض المعدية والحميات الفيروسية، وأخطرها كورونا المنتشر عالميًا.
*غياب الترصد الوبائي
ويعد فيروس حمى الضنك مرض قديم جدًا عالميًا، وفي اليمن ظهرت أول حالة إصابة في 1994 بمحافظة تعز وسط البلاد قبل أن ينتشر المرض في المحافظات.
إلى ذلك يشير الدكتور صالح الدوبحي اختصاصي علم الوبائيات بأن "موضوع حمى الضنك وانتشار الحميات الفيروسية ليس بتلك السهولة فيما يتعلق بالإحصائيات، وفي بلدنا هي أرقام لا تؤخذ ولا تعني شيءٍ، سوى أنها تعرض للجهات ذات الاختصاص والمنظمات الخارجية، دون تحليلها ومعرفة مدى صدقها وماهي الإجراءات التي على ضوئها يتم اتخاذ القرارات .
*تشخيص خاطئ
وفي معرض رده عن آلية التشخيص المتبعة لحالات "حمى الضنك" يجيب الدوبحي "لدينا مؤسسات عامة وخاصة، وكثيرًا من المرضى لا يتم تشخيصهم بالطريقة الصحيحة، كون مختبرات الصحة العامة قليلة، والمستشفيات لا يوجد فيها المحاليل، لذلك يضطر المرضى للذهاب إلى المستشفيات الخاصة، ولا يتم التسجيل بدقة، وغالبًا ما يعاني المرضى من التشخيصات المتعددة، ابتداءً من الملاريا وتشيكوجينيا ما يسمى شعبيًا(المكرفس)، وهذه الإحصائيات تتم وتسجل بدون أسماء المرضى ولا الجنس، ولا يوجد الالتزام بالاستمارة الخاصة بالتبليغ عن الأمراض المعدية".
*وزارة غائبة
ويقول اختصاصي علم الوبائيات إن دور وزارة الصحة في مراقبة هذه الأمراض، في الحقيقة ضعيفًا ليس من الآن، وليس بسبب فيروس كورونا، وإنما بعدم وجود كفاءة وطنية مشاركة وفاعلة في هذا المجال، ومشروع مكافحة الملاريا يقوم بهذه العملية، علمًا بأنه عاجز عن تشخيص ومعالجة الملاريا، وهو مرض معروف من الخمسينات، وجاءت الحرب لتضيف النظرة الدونية للكفاءات الوطنية، وأعطت الفرصة للاعتماد على الأشخاص المقربين، والذين يحتمل أن ينفذون أي شيء دون نقاش، ومن غير مراعاة واحترام لحياة الناس أو صحتهم.
وأكمل قائلًا "حمى الضنك" ليس مرضًا جديدًا، ويوجد منذ أكثر من 20 عامًا في هذا البلد، ويحوم حوالينا ويصاب الناس، وتتم الوفاة بسببه، ووزارة الصحة تؤخذ الموضوع بلامبالاة كبيرة، ومكافحته تتطلب خططًا وطنية فاعلة وبطريقة علمية، يمكن أن تكون كفيلة بمحاربة المرض أو تقلل منه، أما من ناحية القضاء على المرض فذلك صعب جدًا؛ لأنه استوطن، وأصبح البعوض الناقل له منتشر في كل مكان، ويوجد نوعين من البعوض الإيديزaegypti والإيديز المرقطة التي تنشط بالنهار، ويختلف عن البعوض الناقل للملاريا ،ولا يوجد قسم خاص بمكافحة حمى الضنك، لا في الوزارة ولا المحافظات، ولازال الموضوع يعتبر ثانويًا حد تعبيره.
*كورونا تفاقم انتشار الضنك
"شكل وباء فيروس كوفيد-19 في اليمن تحديًا لنظام الرعاية الصحية الهش أصلًا ، وصولًا إلى نقصِ التمويل والحصار، ومنع وصول المساعدات وأزمة الوقود، فإن المستشفيات كانت تفتقر إلى وسائل التصدي لتفشي الوباء، مما أدى إلى استقالة العاملين الصحيين، وإغلاق المستشفيات، وتفشي المرض بين السكان على نطاق واسع" وفقًا لتقرير منظمة العفو الدولية 2021 .
وفي وقت سابق حذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية" من أن التصدي للوباء، وغيره من الأمراض سيتوقف في العديد من المحافظات، مما يؤثر على 18 مليون شخص بينهم 6 ملايين طفل، وقد أعاقت جميع أطراف النزاع إمكانية الحصول على المساعدات الإنسانية والصحية".
وفقًا للأمم المتحدة، فإن نحو 80 % من السكان كانوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية وحماية - حيث كانت إمكانية الحصول على الرعاية الصحية والمياه النظيفة محدودة - وإن 20 مليون شخص كانوا يفتقرون إلى الأمن الغذائي، حيث تعيش اليمن واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
*غياب التوعية المجتمعية
يؤكد "الإعلامي والناشط الاجتماعي" محمد مساعد/ إلى أهمية الجانب التوعوي، والذي لا غنى عنه وخاصة في المجال الصحي، وكما يقولون الوقاية خير من العلاج، والوقاية هي التوعية والتثقيف الصحي، ولكن للأسف المتأمل للأداء الذي تقوم به الجهات المسؤولة، والمنظمات ذات العلاقة يدرك أنه عمل عشوائي، ومؤقت ويكون أحيانًا كرده فعل، بينما من الواجب أن تكون لدى وزارة الصحة العامة والسكان استراتيجية، وخطة عمل مستدامة في مجال التوعية، كما أن مجتمعنا في أمس الحاجة للتوعية، والتثقيف فغيابها يؤثر سلبًا، فيجعل المجتمع فريسة سهلة للأوبئة والأمراض، ويجعل حياتهم أكثر عرضة للخطورة، نتيجة العامل والركيزة الأساسية، وهي الوعي لمواجهة الأمراض.
وأضاف" نتمنى أن نسعى إلى تطوير آلية العمل التوعوي، والخروج من الأعمال التقليدية التي لم تعد تجدي نفعًا، ففي ظل تطور تكنولوجيا الاتصال والإعلام، إذ أصبح من السهل إيصال الرسالة التوعوية على أكبر عدد من الناس، ولكن ليست الأهمية في الكم بل الكيف.
*تهرب المسؤولين
وتهرب مسؤولي الصحة في مكتب العاصمة عدن وفي الوزارة، وحتى مسؤولي منظمة الصحة العالمية، على الرغم من محاولات معدة التقرير التواصل معهم لطلب الإحصائيات، والرد على شكاوى المواطنين من عدم قيام وزارة الصحة بواجبها ومسؤولياتها الوطنية والأخلاقية تجاه معاناة السكان المحليين، وتم الرفض في الإدلاء بأي تصريح من قبل د. منال عبد الملك مديرة مركز الترصد الوبائي بوزارة الصحة، و د. علي الوليدي وكيل وزارة الصحة، ود. رياض عبده مهيوب مدير المركز الوطني للتثقيف والإعلام الصحي والسكاني في الوزارة.
*ما هو حمى الضنك
فيروس حمى الضنك هو عدوى فيروسية ينقلها البعوض، تؤدي العدوى إلى مرض شبيه بالإنفلونزا، ويتفاقم أحيانًا ليغدو مرضًا قاتلًا، يطلق عليه اسم حمى الضنك الوخيمة، وينتشر في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية من العالم.
*مسببات حمى الضنك
تتسبب حمى الضنك الخفيفة في الإصابة بحمى شديدة، وظهور أعراض شبيهة بأعراض الإنفلونزا. يمكن أن يؤدي أحد أشكال حمى الضنك الشديدة - والمعروف باسم حمى الضنك النزفية - إلى نزيف وانخفاض مفاجئ في ضغط الدم (صدمة) والوفاة.
*كيف ينتقل حمى الضنك؟
وتنقل فيروس الضنك أناث البعوض وذلك أساسًا من جنس الزاعجة المصرية Aedes aegypti وبدرجة أقل الزاعجة المرقطة A. albopictus. The، كما ينقل هذا النوع من البعوض داء الشيكونغونيا والحمى الصفراء والعدوى بفيروس زيكا.
*الأعراض
إن المؤشرات التحذيرية لحمى الضنك الحادة، التي تمثل حالة طارئة مهددة للحياة، يمكن أن تتطور بسرعة، وتبدأ المؤشرات التحذيرية عادة في اليوم الأول أو خلال يومين بعد زوال الحمى، وقد تتضمن: الألم الشديد في المعدة. القيء المستمر. النزيف من اللثة أو الأنف. وجود دم في البول أو البراز أو القيء. النزيف تحت الجلد الذي قد يشبه الكدمات. صعوبة أو سرعة في التنفس.
*العلاج
لا يوجد علاج محدد لحمى الضنك، ولكن عند الإصابة بالمرض يتم شرب السوائل ومراقبة ضغط الدم ونقل الدم للمريض ليقلل من أثر النزيف.
*الوقاية
-أخذ اللقاح
- منع البعوض من الوصول إلى موائل وضع البيوض اعتمادًا على تدابير إدارة البيئة وتعديلها.
- التخلص من النفايات الصلبة على النحو المناسب وإزالة الموائل التي يصنعها الإنسان.
- تغطية حاويات تخزين المياه المنزلية، وتفريغها، وتنظيفها أسبوعيًا.
- استخدام المبيدات الحشرية المناسبة في الحاويات الخارجية لتخزين المياه.
- استعمال تدابير الوقاية المنزلية الشخصية مثل سواتر النوافذ، والملابس طويلة الأكمام، والمواد المعالجة بالمبيدات، والوشائع، وأجهزة التبخير.
- النهوض بالمشاركة والتعبئة المجتمعية للمكافحة المتواصلة للنواقل.
- استخدام المبيدات الحشرية في رش الأماكن خلال الفاشيات كإجراء من الإجراءات الطارئة لمكافحة النواقل.
- القيام بالرصد والتحري بشكل نشط لتحديد مدى فعالية تدخلات المكافحة.
كما يمكن أن يخفض الكشف السريري الدقيق عن المرضى المصابين بحمى الضنك، وتدبيرهم العلاجي السريري تخفيضًا شديدًا من معدلات الوفيات الناجمة عن حمى الضنك الوخيمة.
*خاتمة
ولا تزال العديد من مسببات الأمراض المعدية عالية الخطورة مستوطنة في اليمن، وتستمر في تشكيل تهديد للصحة العامة للسكان. وتُظهر بيانات 2020 أن الكوليرا وحمى الضنك والدفتيريا هي من أكثر الأمراض انتشارًا في اليمن بالإضافة إلى كوفيد-19، مما أدى إلى ارتفاع معدلات الاعتلال والوفيات بين السكان. بحسب منظمة الصحة العالمية.
أنتج هذا التقرير بإشراف من مؤسسة الصحافة الإنسانية - ضمن مخرجات مشروع تدريبات الصحافة الصحية والطبية – عدن.