كيف ستبتلع مياه البحر مدينة عدن الجنوبية؟

2021-08-05

 
 عدن:بسام القاضي
"كارثة السيول التي شهدتها عدن بتاريخ 21 أبريل 2020 كبيرة بالنسبة لي، عانيت ولا زلت أعاني منها حتى اللحظة، وفقدت فيها أغلى الناس عندي، طفلاي صقر 4 أعوام وتيماء عام ونصف" تحكي أزال صالح عكبور معاناتها وهي تبكي فلذات كبدها بألم وحزن بالغين.
وأضافت: "الشوق والحنين كبير، وصعب نسيان أولادي مهما طال الزمن" تبكي بوجع وتتوقف عن الحديث برهة من الوقت، وبعد أن تستعيد أنفاسها تواصل قائلةً "ما لحقت أفرح معهم، حتى وهم عائشون، بسبب ظروف الحياة التي كنت أعيشها، وخسرت كل شيء بعدهم، وأنا أكثر أم خسرت وتضررت بسبب السيول".
بتنهيدة تهتز لها جبال عدن تختتم أزال حديثها "أي شيء في الدنيا ما سيعوضني فقدان أولادي" ومع لفظها لآخر حرف تدخل في نوبة بكاء يتفطر القلب له.
مخاوف السكان المحليين
في كل صيف يمر على مدينة عدن الجنوبية، وما إن تبدأ الغيوم تتجمع في سماء البلدة الساحلية، عامًا يتلو الآخر، يدب الذعر والهلع والخوف في قلوب السكان المحليين، ومع كل تحذير تطلقه صافرات الإنذار في مراكز الإرصاد البيئية، ينطلق الأهالي في عاصمة البلاد المنسية، لعمل الحواجز الإسمنتية أمام منازلهم، وإغلاق أبوابها بـ(البُلك) كليًا، خصوصًا الأدوار الأرضية في البلدة القديمة "كريتر" تخوفًا من كوارث السيول والفيضانات والأعاصير التي تعيشها عدن سنويًا، بسبب التغيرات المناخية، جعلتها تتصدر المرتبة السادسة عالميًا ضمن قائمة أكثر 10 مدن ساحلية مهددة بالغرق.
إلى ذلك يقول المحامي عبدالله محمد المسؤول المالي لحملة أبناء الشعيب لإغاثة أهالي عدن، بأن السيول التي شهدتها المدينة في أبريل من العام الماضي خلفت مأساة وكارثة إنسانية كبيرة جدًا، ضحاياها من القتلى ما يقارب 17 شخصًا وعشرات المصابين، و 66 منزلًا تضررت بشكل كلي في مدينة كريتر فقط، و 1450 أسرة تضررت من الكارثة في 25 موقعًا بالمحافظة، 500 أسرة فقدت منازلها، وقد ألحقت الكارثة أضرارًا مادية كبيرة في البنى التحتية والطرق والمرافق الحكومية والكهرباء، لافتًا بأن الحملة قدمت ما يقارب 87 مليون ريال يمني، كمساعدات إنسانية طارئة لإغاثة المنكوبين حينها.
خسائر بشرية ومادية
ولا توجد إحصائيات رسمية دقيقة حول الأضرار الناجمة عن السيول والفيضانات التي شهدتها عدن بتاريخ 21 أبريل 2020، إلا أن أرقام منظمات دولية وأممية تشير إلى ما يقارب 20 قتيلًا بينهم أطفال ونساء، و 85 مصابًا بحالات خطيرة ومتوسطة وطفيفة، 371 منطقة متضررة في 14 محافظة يمنية.
وبلغ عدد المتضررين بحسب الأمم المتحدة 150 ألف متضرر جراء السيول، بينهم 22 ألفا في عدن معظمهم من النازحين داخليًا، إلى جانب تضرر 11 مخيمًا للنازحين، ونزوح أكثر من ألف أسرة من 7 مواقع للنازحين داخل المدينة، بينما تضررت في محافظة أبين المجاورة لعدن 638 أسرة في مديرتي خنفر وزنجبار فقط، وفي محافظة لحج المجاورة تضررت 679 أسرة نازحة.
وتسببت سيول وفيضانات العام الماضي في انهيار وتدمير عشرات المنازل والطرق، إلحاق أضرار واسعة النطاق في البنى التحتية والمنازل والملاجئ في عدن والمحافظات المجاورة وفقًا لـ مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في اليمن.
دراسات تدق ناقوس الخطر
مؤخرًا كشفت دراسات علمية حديثة أن موقع عدن الجغرافي المميز يهددها بكوارث كبيرة في حالة ارتفاع منسوب سطح البحر، وأكثر المناطق التي يمكن أن تتأثر، هي المناطق الواقعة بالقرب من الشواطئ، المناطق المستوية ذات الارتفاعات البسيطة، ومناطق المد والجزر الحالي، مناطق السبخات والملاحات، والأراضي المنخفضة.
معدة الدراسة البروفيسورة ندى السيد حسن أستاذة البيئة والتلوث البيئي في كلية العلوم جامعة عدن أكدت بأن ارتفاع مستوى سطح البحر سوف يؤثر بشكل مباشر على البنية التحتية للمدن و الجسور، وشبكات الطرق، وغالبًا ما يكون تأثيرها كبير على السكان، وبالذات الشرائح الفقيرة التي تقطن بجانب السواحل مثل الصيادين، والقرى النائية في بعض الجزر المنخفضة التضاريس، مشيرةً بأن التأثير المحتمل لتغير المناخ على الهياكل الأساسية لمدينة عدن الساحلية والخدمات المرتبطة بها يحتم على السلطات المعنية، وضع خطة طوارئ وطنية لمواجهة الكوارث المحتملة.
سيناريوهات تنتظر عدن
من خلال دراسة أجريت على مدينة عدن باستخدام الطرق العلمية المتبعة لدى اللجنة العلمية للتغيرات المناخية IPCC فإن السيناريوهات أظهرت النتائج الموضحة في الجدول أدناه.
وفي معرض ردها حول سؤال هل فعلًا ستبتلع مياه البحر مدينة عدن الجنوبية، ترد السيد قائلةً: بأن التقرير التقييمي الرابع للفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ توقع بأن معدل ارتفاع منسوب سطح البحر سوف يرتفع على الصعيد العالمي بنسبة 59-18 سم في نهاية هذا القرن. وعلى الصعيد الإقليمي أظهر الباحثان أونكريشنان وشانكار (2007) الذي يرصدان الزيادة من خلال محطة رصد شمال المحيط الهندي أن مستوى سطح البحر في عدن يرتفع بحوالي 2 مم/ سنة، وهو ما يشبه مستوى سطح البحر في العالم.
صورة مستقبلية للدراسة، توضح ابتلاع مياه البحر للسواحل اليمنية خلال الفترة 2100م إلى 2300م
صورة مستقبلية للدراسة، توضح ابتلاع مياه البحر للسواحل اليمنية خلال الفترة 2100م إلى 2300م
التأثيرات المحتملة على عدن
"الباحث وودورث وآخرون في (2009) أكدوا على نفس الحقيقة بأن مستوى سطح البحر في عدن يرتفع بنفس الوتيرة، ومشابه لتلك الموجودة في أماكن أخرى في العالم، مما تؤكد جميع تلك الدراسات أن مستوى سطح البحر آخذ في الارتفاع في عدن، وسيستمر في المستقبل، والتوقع العالمي هو 5.9 ملم/سنة عند أعلى مد" وفقًا للدراسة ذاتها التي قدمتها السيد بعنوان "عدن مهددة بمخاطر ارتفاع مستوى سطح البحر" خلال ندوة علمية نظمتها جامعة عدن للفترة من 4 – 6 نوفمبر 2019 حول أثر التغير المناخي وانعكاساته على اليمن.
وحول المخاطر المترتبة جراء ارتفاع مستوى سطح البحر على مدينة عدن تشير السيد بأن التأثير المحتمل لتغير المناخ على الهياكل الأساسية لمدينة عدن الساحلية والخدمات المرتبطة بها والتي تشمل: المواني البحرية، مطار عدن الدولي، المياه والصرف الصحي، محطات الكهرباء، الأراضي الرطبة، التعرية وتسرب المياه المالحة، إذ سيؤدي تغير المناخ إلى حدوث المزيد من أحداث العواصف الشديدة بما في ذلك هطول الأمطار الغزيرة والفجائية، وسرعة الرياح العالية، وتذبذب درجات الحرارة، وارتفاع معدلات حصول العاصفة.
تقول السيد بأن محطات توليد الطاقة في المناطق الساحلية أيضًا معرضة لأخطار الغمر، كونها تقع على البحر، كما يهدد التنوع الحيوي، ويؤثر بشكل كبير على الأراضي الرطبة، كونها تمثل أهمية كبيرة من الناحية البيئية في المدينة والإقليم، مؤكدةً أن السبخات الملحية "أرض مستوية فيها ترسبات ملحية وكربونات كالسيوم جلبتها الرياح أو مجرى مائي" تمثل أهمية كبيرة في المناطق الساحلية فالمملاح في عدن يُعد مورد اقتصادي مهم في توفير مادة الملح، وأن أي ارتفاع لسطح البحر قد يهدد استمرار المملاح في الإنتاج أو قد يزيد من الكلفة الاقتصادية للإنتاج.
مطالبات بخطة طوارئ
البروفيسورة السيد أكدت بأنه يمكن للجهات المختصة والمعنية ومراكز صنع القرار في عدن أن تستفيد من هذه الأبحاث والدراسات العلمية برؤى أمنية ومستقبليه حول تغيرات المناخ، والحد من الكوارث في حالة ارتفاع منسوب مياه البحر، مشيرةً بأنه يمكن مواجهة التحديات والمخاطر التي تواجهها عدن جراء ارتفاع مستوى سطح البحر من خلال، إعداد خطة طوارئ سريعة "البيئة، الصحة، المياه"، تقديم إطار عمل لتنفيذ خطة عامة لمواجهة الكوارث البيئية كمظلة لمجموعة الخطط القطاعية، تأكيد التنسيق والتعاون مع الجهات والوزارات المعنية على مستوى الحكومة المركزية وعلى المستوى العمليات.
مطلع نوفمبر 2019 وخلال ندوة علمية حول "أثر التغير المناخي وانعكاساته على اليمن"، نظمتها جامعة عدن، قدم مجموعة من الباحثين (محمد السفاني، عادل الهبابي، محمد مهدي، وأحمد هاجر) يقودهم الأستاذ الدكتور هشام ناجي رئيس قسم العلوم والبيئة بجامعة صنعاء، دراسة علمية حول "تأثير ارتفاع مستوى سطح البحر والتغير المناخي على المنطقة الساحلية لمحافظة عدن" من خلالها تم اعتماد تصورين مستقبليين لارتفاع مستوى سطح البحر في المنطقة الساحلية، أحدهما ارتفاع المنسوب بمقدار 33 سم والآخر 60 سم، وهو ما شهدته مدينة عدن فعلًا بعد 7 أشهر من تلك التوقعات، جراء سيول أبريل 2020.
مدينة البحر في خطر
وحول ذلك يقول أ.د. هشام ناجي أستاذ البيئة الساحلية ورئيس قسم العلوم البيئية في جامعة صنعاء، بأنه تم اختيار عدة مناطق مختلفة من سواحل محافظة عدن بناءً على اختلاف خصائصها وحساسيتها لارتفاع منسوب سطح البحر. وخلال الدراسة تم إشراك أصحاب المصلحة والاستعانة بذوي الخبرة من أبناء المنطقة، وكذلك النظر في قابلية هذه المناطق للتأثر والتكيف مع ارتفاع منسوب سطح البحر من خلال الزيارات الميدانية وتحليل بيانات المد والجزر لمدينة عدن خلال 90 سنة سابقة، بالإضافة إلى الاستعانة ببعض برامج النمذجة ونظم المعلومات الجغرافية، وذلك لإعطاء فكرة حول مدى حساسية المناطق الساحلية المختلفة في عدن لارتفاع مستوى سطح البحر، من خلاله تم اعتماد سيناريوهين عالميين محتملين لارتفاع منسوب سطح البحر، وهما: احتمال ارتفاع منسوب سطح البحر في عدن بمقدار 33 مم سنويًا والآخر 60 مم سنويًا.
مقترحات للجهات الحكومية
الدراسة نشرت في مجلة كلية العلوم، جامعة صنعاء، العدد 27 للعام 2015م، وهي مجلة علمية محكمة. خلصت بحسب البروفيسور هشام ناجي إلى وجود عدة مخاطر على سواحل محافظة عدن، ومنها فقدان مساحات شاسعة من السواحل الرملية التي ستؤدي إلى تضرر المجتمعات الساحلية والقطاع السياحي، كذلك حوالي 5 إلى 6 بالمائة من الأراضي المنخفضة لمحافظة عدن معرضة للغمر، والذي سيؤدي إلى خسائر مادية فادحة. يتوقع أيضًا تسرب مياه البحر المالحة إلى الآبار القريبة من الساحل. بالإضافة إلى زيادة احتمالية تعرض 50 % من المناطق السكنية للأمواج العارمة المصاحبة للأعاصير.
وقال ناجي بإن الحلول التكيفية مع ارتفاع منسوب سطح البحر تتلخص في منع استحداث منشآت جديدة بالقرب من خط الساحل، والابتعاد عنه في البناء بترك مساحات كافية للاستجمام أو إنشاء حدائق ومتنزهات في هذه المساحات. كذلك حظر البناء في المناطق المنخفضة. وبناء جدار حماية على الساحل مثل ذلك الموجود أمام مدينة المكلا، أو إنشاء طريق ساحلي يرتفع 4 مترات. بالإضافة إلى عدد من التوصيات الأخرى.
كارثة أبريل 2020
"لقد كانت السيول التي شهدتها عدن العام الماضي، من أكثر التغيرات المناخية تأثيرًا على المدينة" بحسب ما تحدثت فيه الناشطة المجتمعية هبة فهيم حيدر لدى مشاركتها في القمة العالمية للمناخ -واشنطن منتصف 2020، مضيفةً "في الآونة الأخيرة، بدأت المدينة الساحلية، وهي كما تُعرف من أكثر مناطق العالم حرارة. تعاني من الأعاصير المفاجئة، والسيول، والمنخفضات الممطرة في أشد أيام السنة حرارة، خاصة في فصل الصيف".
"في مدينة فقيرة مثل عدن، من الصعب إيجاد طرق لقياس التغيير، من الملاحظ أن هناك زيادة كبيرة في التغيرات المناخية المتنوعة بين الحرارة الشديدة جدًا، ومستويات الرطوبة العالية للأمطار والأعاصير التي لم تشهدها المدينة من قبل، وربط كل ذلك ببقايا حرب مارس 2015، التي لا تزال تؤثر على المجتمع حتى هذه اللحظة، مع الوضع السياسي غير المستقر" تقول هبة فهيم.
وأضافت فهيم المهتمة بقضايا المناخ: "يجب على الحكومة َوبشكل عاجل، التركيز أكثر على القضايا البيئية والتغيرات المناخية، ولا بُدَّ من وضع خطة جادة تتفق فيها منظمات المجتمع المدني مع الجهات الحكومية لنشر الوعي، والحد من مسببات التلوث البيئي المهددة بكارثة بيئية وإنسانية حقيقية، مؤكدةً على ضرورة تشكيل مجموعة أو كيان بيئي من أجل تحقيق هذا الهدف" .
منظومة السيطرة والتصريف
وبحسب المهندس إبراهيم منيعم مدير إدارة الرصد والتقييم البيئي في مكتب الهيئة العامة لحماية البيئة، فإن مدينة عدن تضم مناطق شبه جزيرة عدن، وهي مديريات "كريتر، المعلا، التواهي"، وتتأثر بنزول السيول من الجبال، في ظل التغيرات المناخية، وهي تحتاج إلى صيانة وتعزيز منظومة "السيطرة والتصريف"، ومنها صهاريج الطويلة، والسدود في الهضبة، والتوسع في بناء مزيد من السدود في المناطق الحرجة، لافتًا بأن صهاريج الطويلة تعد من أعظم المعالجات، إلى جانب عمل حواجز الحماية.
يضيف منيعم: "أما المناطق السهلية الساحلية، والتي تضم مناطق “خور مكسر، البريقة، عدن الصغرى، وهي التي تتأثر نتيجة التغيرات المناخية وارتفاع منسوب مياه البحر، فيتم معالجة تلك التحديات، من خلال الابتعاد عن حرم الشواطئ، منع البناء العشوائي، والمشاريع التنموية، قرب السواحل، عمل سواتر على الواجهات البحرية، الابتعاد عن مجاري الأودية، مثل الوادي الكبير ومنطقة الحسوة، مؤكدًا "أن الأجداد قد تكيفوا عمليًا، والتغيرات المناخية، من خلال بناء الحواجز والسدود “منظومة السيطرة والتصريف".
دراسات عالمية تدق ناقوس الخطر
وتشير دراسة نشرتها دورية "نيتشر كومينيكيشنز" (Nature Communications) في 29 يونيو الفائت إلى أنه "بحلول عام 2100، يمكن أن يرتفع عدد الأشخاص المعرضين لمخاطر ارتفاع مستوى سطح البحر إلى 410 ملايين شخص، وسيكون معظمهم في المناطق التي يقع 62 ٪ منها في نطاق العروض الاستوائية.
الدراسة التي أجراها الباحثان في معهد "ديلتاريس" الهولندي، توضح بأن "تغير المناخ تسبب في ارتفاع مستويات سطح البحر، وزيادة تواتر العواصف وحدتها، وكلاهما يزيد من مخاطر الفيضانات في المناطق الساحلية، خاصةً أن معظم المناطق المهددة تقع في نطاقات قد لا تتوافر فيها إمكانات حديثة للتنبؤ بمخاطر الفيضانات، وبيانات دقيقة لارتفاع مناسيب الأرض عن مستوى سطح البحر".
فيما توقعت دراسة نشرتها مجلة "ساينتفك ريبورتس" (Scientific Reports) يوم 30 يوليو 2020 زيادة حدة أحداث الفيضانات الساحلية بنسبة 48 %، ما قد يهدد الأصول التي تبلغ قيمتها 20 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول عام 2100، في ظل ارتفاع انبعاثات غازات الدفيئة، وارتفاع مستوى سطح البحر، وعدم وجود بنى تحتية لصد الفيضانات، وفقًا لـ " للعلم".
زيادة التأثيرات المناخية
ووفقًا للدراسة التي أعدها فريق بحثي متعدد التخصصات من جامعات أسترالية وهولندية وألمانية، فإن "عدد سكان العالم المعرضين لمخاطر الفيضانات الساحلية يمكن أن يبلغ 287 مليونًا بحلول عام 2100، وهو ما يعادل 4.1 ٪ من سكان العالم. كما تقدر الخسائر في الأصول المهددة بالفيضانات بحوالي 14.2 تريليون دولار أمريكي، وهو ما يعادل 20 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي".
ويتوقع، الباحث في قسم هندسة البنية التحتية في جامعة ميلبورن الأسترالية، والباحث الرئيس في الدراسة "إيبرو كيرزكي" في تصريحات لـ" للعلم" أن تحدث زيادة كبيرة في تأثيرات الظواهر البحرية المتطرفة على سواحل جنوب البحر المتوسط، التي تتضمن المناطق الساحلية المنخفضة في دلتا النيل بمصر، وكذلك سواحل الخليج العربي.
كيرزكي شدد على ضرورة إجراء دراسات محلية تفصيلية على كل منطقة من المناطق المهددة، لتقدير حجم الخسارة المتوقعة في المنطقة بدقة، وتحديد الوسائل المُثلى لمواجهتها، لكون المناطق الساحلية معرَّضة بشدة لارتفاع مستويات سطح البحر، وتغيُّر المناخ. ومن أجل منع الآثار السلبية لتغير المناخ وارتفاع مستوى سطح البحر، من الضروري تطوير استراتيجيات وطنية للتكيف، اعتمادًا على مستويات المخاطر الساحلية، وضرورات المجتمعات الساحلية.
خبراء المناخ يحذرون
وفي وقت سابق حذر أكثر من 106 من خبراء التغيرات المناخية من احتمال ارتفاع مستوى مياه البحر إلى متر بحلول عام 2100 وخمسة أضعاف بحلول عام 2300، إذا لم تلتزم دول العالم بتخفيض نسب الغازات الدفيئة في القريب العاجل، حسب المتفق عليه، إذ قال الخبراء -الذين يعملون بعدة جامعات ومعاهد بحوث حول العالم، في دراسة نشرت في 8 مايو الجاري بمجلة "نيتشر" لعلوم المناخ بإشراف جامعة نانيونغ بسنغافورة- إن الدراسات السابقة بهذا المجال لم تكن قوية، ولم تعكس حجم الخطر المحدق بالكثير من الدول حول ارتفاع منسوب مياه البحر" بحسب موقع الجزيرة نت.
تقرير البنك الدولي الصادر في 5 ديسمبر 2012، كشف هو الآخر بأن الكوارث الناجمة عن التغير المناخي كبدت المنطقة العربية خسائر مباشرة بقيمة 12 مليار دولار، وأثرت على حياة خمسين مليون عربي خلال الثلاثين عامًا الماضية، موضحًا أن الخسائر غير المباشرة للكوارث تفوق المبلغ المذكور مرات عديدة. محذرًا من غرق بعض المدن العربية الساحلية بسبب ارتفاع مستوى مياه البحار مثل الإسكندرية وعدن وجدة.
عدن السادسة عالميًا
ويذهب الدكتور فواز باحميش أستاذ الجيومورفولوجيا التطبيقية المساعد بقسم الجغرافيا كلية التربية - عدن نائب مدير مركز دراسات علوم البيئة جامعة عدن إلى القول: "بحسب تقديرات العلماء تحتل مدينة عدن المرتبة السادسة عالميًا ضمن المدن المهددة بالغرق بمياه البحر، والمرتبة الثانية عربيًا، بعد مدينة الإسكندرية المصرية".
وزاد: "شهدت عدن سيول وفيضانات عديدة في عدة مراحل منها عام 1967، و1982، و1993، ولكنها زادت سنويًا بعد حرب مارس 2015، وتحديدًا من 2017 - 2021، شهدت المدينة، عواصف مدارية، ورياح شديدة، وسيول وفيضانات آخرها العام الماضي، لافتًا بأن مستوى سطح البحر يزيد بفعل ذوبان الجليد الذي يغطي شبه جزيرة جرينلاند والاحترار الكوني الذي يشهده العالم، هذا الارتفاع يؤدي إلى غمر بعض المناطق".
أما بخصوص التأثيرات المتوقعة بفعل هذه الظاهرة على عدن فهي "الفيضانات، احتمالات طغيان البحر، ومهددات التعرية للشواطئ، وتداخلات مياه البحر، والتأثيرات البيئية، ومن المناطق المهددة بالغرق والغمر بفعل التغيرات المناخية التي قد تحدث مع طغيان البحر وهي “ساحل أبين خور مكسر، والمنطقة المحيطة بخور بئر أحمد، الحسوة، الفارسي" يقول باحميش.
معالجات وحلول مقترحة
وعن إجراءات المعالجة لهذه الظاهرة يشير باحميش بأن ذلك يتمثل: أولًا إيجاد حرم خال من العوائق والمنشآت بحيث تكون هذه المسألة مرتفعة بمقدار من 300 إلى 500 متر فوق سطح البحر. ثانيًا إقامة حواجز إنشائية تعمل كمصدات لحماية المناطق الساحلية من تقدم الأمواج. ثالثًا تعويض الشواطئ بالرمال بسبب ما فقدته من تجريف وتعرية. رابعًا إعادة النظر في البناء في المناطق الساحلية وفق استخدامات الأرض، وذلك عن طريق إيجاد مجلس تخطيط للمدينة، وذلك للقيام بعملية تخطيط المدينة بشكل سليم. خامسًا إنشاء مركز أنظار مبكر للحد من الكوارث ومنه التغيرات المناخية التي تطورت على العالم ومنها عدن.
"عدن بحكم موقعها الحالي وبحسب السيناريوهات والدراسات التي عملت فإنها معرضة لكوارث ومخاطر بيئية، كما أن تقرير الهيئة الدولية الحكومية المعنية بالتغيرات المناخية تناول 25 مدينة ساحلية في العالم مهددة بمخاطر ارتفاع مستوى سطح البحر وتأتي عدن في المرتبة السادسة، هذا يجعل الجميع أمام مسؤولية كبيرة لما لها من انعكاسات خطيرة في الجوانب اﻻقتصادية واﻻجتماعية والبيئية" وفقًا لتصريحات سابقة لمدير مركز أبحاث البيئة وعلوم البحار الدكتور جمال باوزير.
مآسي تتكرر في عدن
يحكي الثلاثيني كمال صلاح الديني: "نعيش حالة رعب مع كل زخة مطر تسقط على عدن، وقد فقدت إثر السيول التي ضربت مدينتنا العام الماضي أعز من في الكون، وهي أمي رحمة الله تغشاها، ولولا فضل الله والخيرون من أبناء الحي لغرقنا جميعًا في منزلنا الكائن في حي الرصافي بمديرية القلوعة، عام وأكثر وحتى اللحظة لم يتم جبر ضرر المتضررين".
"نتيجة تدفق السيول للداخل تهدمت جدران المنزل من حولنا ليدفن معه نصف جسد والدتي السفلي، يبكي بحرقة وينقطع عن الحديث برهة من الوقت، ليعود متذكرًا تلك المأساة، والدموع تملؤ وجنتيه " لقد حاولت جاهدًا مرارًا وتكرارًا أن أخرجها من بين الركام، لكن دون جدوى" يقول الديني.
يتمنى الديني ألا تتكرر الفاجعة التي حلت بعائلته جراء سيول وفيضانات العام الماضي، مع أي أسرة عدنية، مطالبًا الجهات المعنية إلى تحمل مسؤوليتها تجاه مواطنيها، واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية المدينة وسكانها من أي أضرار لا سمح الله في ظل التغيرات المناخية والمخاطر المحدقة بعدن حد تعبيره.
ويتعرض أكثر من 267 مليون شخص في جميع أنحاء العالم، لمخاطر كبيرة نتيجة معيشتهم بالقرب من مدن تقع ضمن مناطق يبلغ ارتفاعها عن مستوى سطح البحر أقل من مترين فقط، وهو ما يجعل هذه المناطق أكثر تعرضًا لخطر ارتفاع مستوى سطح البحر، ومن ثم الغرق أو تآكل خط الساحل.
الحرب تفاقم الأزمة
اليمن الذي تطحنه الحرب للعام السابع على التوالي، يعيش أزمة إنسانية هي الأسوأ في العالم، باتت عاصمته عدن تتصدر المرتبة الثانية عربيًا والسادسة عالميًا في قائمة أكثر 10 مدن ساحلية في العالم مهددة بالغرق.
*بسام القاضي صحفي علمي
مهتم بتغطية القضايا الإنسانية والمجتمعية
أنتج هذا التقرير بدعم من مؤسسة الصحافة الإنسانية Humanitarian Journalism Foundation
WWW.HJFYEMEN.O
تصوير: أحمد شهاب