النازحون في أبين.. قصص مأساة تمزق نياط القلوب

2021-08-07

زنجبار: ماهر البرشاء:

لم يكن الحاج أحمد ذو الخمسة عقود يعلم ما تخبئ له الأقدار في جوفها، وما تحمله الأيام بين ثناياها.

فالحرب حد قوله أحرقت الأخضر واليابس، وأهلكت الحرث والنسل، ولم تبق ولم تذر، فأتت على كل شيء وتركته كالرميم.

قصة الحاج " أحمد" من القصص التراجيدية المحزنة جدًا، والتي يدمي لها القلب ألمًا وحزنًا.. واحدة من نماذج المعاناة والمأساة التي خلفتها الحرب في اليمن عمومًا، وخصوصًا في الحديدة غرب اليمن.

*الحرب دمرت حياته*

 للحاج "أحمد" أسرة مكونة من خمسة أفراد ثلاث بنات وطفلين وأم وأب، أجبرتهم الحرب كرهًا على مغادرة منزلهم الواقع في إحدى مناطق الحديدة، على أمل أن يجدوا في النزوح النجاة.

 *نزح مكرهًا لا بطل*

يقول الحاج أحمد ابن الحديدة الذي يقبع حاليًا في مدينة العين بمحافظة أبين جنوب البلاد إن الحرب أفقدته الكثير، ودمرت حياته كليُا، وفقد بسببها مصدر رزقه وعمله الذي كان يعول به أسرته.

ويستطرد في حديثه: "حاولنا أن نجابه الحياة ونواجهها بكل تقلباتها، وألا نرضخ لذلك الضغط الذي تمارسه علينا قساوة المعيشة، ولكن دون جدوى، فقد عجزت تمامًا، ولم أستطع الصبر أمام كل ما يحدث، فاضطررت للنزوح إلى أبين، لأجل سلامة أطفالي وأمهم، ولنقتات شيئًا مما يجود به الناس علينا".

*من نازح إلى متسول*

بعد أن أكتسى وجهه بالحزن والأسى يستدرك بالقول: "كما تلاحظ، جميعنا اضطررنا لأن نتسول في الشارع، لكي نؤمّن لنا الأكل والشرب، واحتياجات أطفالي من حليب ولوازم أخرى، لا يمكن أن نحصل عليها ونحن بين جدران المنزل المتهالك، على الرغم من أن هذا العمل فيه من العيب الكثير والكثير، ويقلل من قدر المرء ومكانته، ولكن ليس لنا بُد من ذلك".

ثم يطرق رأسه في الأرض، ويسكب دمعات الحسرة والوجع.

*الله لا يهون عزيزا*

لم تكمل ابنة الحاج أحمد عامها السادس، إلا أنها تجوب المحلات التجارية كل يوم تحت أشعة الشمس الحارقة والعواصف العاتية، لتحصل على شيء من الفتات الذي يضمن لها ولإخوانها البقاء على قيد الحياة، فأقل ما تبحث عنه سارة هو ريالات هزيلة تجمعها نهاية كل نهار، لتوفر بها متطلبات البيت هي وأختها التي تكبرها بعامين.

يتنقل الحاج أحمد وبناته الثلاث بين مناطق مديرية لودر كل الصباح حتى غروب الشمس، ويسألون الناس إلحافًا وحاجة، أجبرتهم فعل ذلك الظروف القاهرة والقاسية، وفي معظم الأحيان تشارك الأم وطفلها الرضيع زوجها وبناتها هذه الرحلة المضنية في البحث عن لقمة العيش وتأمين حياتهم بما يجود به أهل الخير.

*حسرة تمزق نياط القلب*

وقف الحاج أحمد قبل أيام قلائل وقبيل عيد الأضحى أمام الناس في الجامع يحتضن بناته الثلاث والحسرة والوجع تمزقه وهو يشكوا لهم سوء حاله وقلة حيلته وعدم قدرته على تأمين أضحية العيد أو كسوة بناته اللاتي كن يلبسن ملابس مهترئة ومظهرهم رث، إلا أنه لم يصل لمبتغاه فالناس يعانون ولا يختلف حال بعضهم عنه.

عاد وهو يحمل همًّا وألمًّا بين ثنايا روحه وحلمًا كان يتمنى أن يحققه لأسرته كي تفرح مع الآخرين بعيد الأضحى.

*نداء استغاثة*

يختتم الحاج أحمد حديثه موجهًا نداء استغاثة إلى أصحاب القلوب الرقيقة، والأيادي البيضاء، وكل فاعلي الخير، وكل المنظمات الدولية والمحلية، بالنظر لحال عائلته، مطالبًا كل من يستطيع بناء غرفة لهم تستر حالهم.

*وضع لا يحسد عليه*

وفي سياق المعاناة المريرة التي يتجرعها النازحون إلى مناطق لودر يتحدث الأخ جهاد حفيظ مدير إعلام لودر قائلا:" النازحون في وضع لا يحسد عليه على الرغم من تقديم بعض المنظمات الإغاثة بشكل غير منتظم، وهم بحاجة إلى رعاية واهتمام كبير كونهم اليوم يتحملون إيجارات البيوت؛ لأنه لا توجد مخيمات عامة، ونطالب المنظمات الدولية الإغاثية للإسهام في تقديم العون والمساعدات العينية والمادية لتلبية متطلبات الحياة لهم وبشكل دائم حتى يتم إنهاء الحرب وعودتهم إلى مناطقهم".

ويضيف قائلا:"هناك أعدادًا كبيرة جدًا من مختلف المحافظات، ومعظمهم من محافظة البيضاء مديرية مكيراس والمحافظات الأخرى".

* مئات الأسر النازحة*

من جانبه ناشد أنيس اليوسفي مدير وحدة النازحين بأبين المفوضية السامية للأمم المتحدة ومنظمة الأوتشا والشركاء الإنسانيين بالتدخل العاجل.

وقال في تصريحات صحفية: " لدينا أكثر من 2324 أسرة يعيشون في العشش والخيم المقطعة منذ 2015 ، وقد تعرضت تلك المخيمات والعشش للأمطار الغزيرة والرياح القوية وتسببت بإتلاف الخيم والعشش والمواد الإيوائية".

وأضاف: "النازحون يعانون من الكوارث الطبيعية بسبب تقلب الطقس واشتداد حرارة الشمس والأمطار، ويعانون من ظروف مأساوية صعبة وأمراض تفتك بحياتهم، وهم اليوم يقفون مناشدين بعين الرحمة للمنظمات بإنقاذ حياتهم من تلك الكوارث التي حلت بهم بسبب الحرب".

أنتج هذا التقرير بإشراف من مؤسسة الصحافة الإنسانية – ضمن مخرجات مشروع تدريبات الصحافة الإنسانية – يوليو 2021.